ابن أبي الحديد

97

شرح نهج البلاغة

قال الرشيد ( 1 ) للفضيل بن عياض : ما أزهدك ! قال : أنت يا هارون أزهد مني ، لأني زهدت في دنيا فانية ، وزهدت في آخرة باقية . وقال الفضيل : يا ربي ، إني لأستحي أن أقول : توكلت عليك ، لو توكلت عليك ما خفت إلا منك ، ولا رجوت إلا إياك . عوتب بعض الزهاد على كثرة التصدق بماله ، فقال : لو أراد رجل أن ينتقل من دار إلى دار ، ما أظنه كان يترك في الدار الأولى شيئا ! قال بعض الملوك لبعض الزهاد : ما لك لا تغشى بابي ، وأنت عبدي ! قال : لو علمت أيها الملك ، لعلمت أنك عبد عبدي ، لأني أملك الهوى ، والهوى يملكك . دخل متظلم على سليمان بن عبد الملك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أذكر يوم الاذان ، قال : وما يوم الاذان ؟ قال : اليوم الذي قال تعالى فيه : " فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين " ( 2 ) ، فبكى سليمان وأزال ظلامته . سئل الفضيل بن عياض عن الزهد ، فقال : يجمعه حرفان في كتاب الله : " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم " ( 3 ) . كتب يحيى بن خالد من الحبس إلى الرشيد : ما يمر يوم من نعيمك إلا ويمر يوم من بؤسي ، وكلاهما إلى نفاد . قيل لحاتم الأصم : علام بنيت أمرك ؟ قال : على أربع خصال : علمت أن رزقي لا يأكله غيري فلم أهتم به ، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به ، وعلمت أن الموت يأتيني بغتة فأنا أبادره ، وعلمت أني بعين الله في كل حال فاستحييت منه .

--> ( 1 ) ب : " قال بعض الملوك " ، وما أتيته من أ ، ج . ( 2 ) سورة الأعراف 44 . ( 3 ) سورة الحديد 23 .